السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

268

مفاتيح الأصول

المدّعى على التقدير المذكور وقد صرّح بما ذكر في الذريعة والغنية والمعارج والنهاية والتهذيب وحاشية المبادي والمنية كما عن أبي هاشم قال في الذريعة والغنية والنهاية والتهذيب وحاشية المبادي لأنه مرتبة على النسخ وزاد في المنية فقال وجعله مشروطا به فيكون متأخرا عن الناسخ لأنه أثره فلو كان المأتي به هو الناسخ دار فإن قلت إنما رتب على الإتيان لا المأتي به قلت الإتيان متقدم على المأتي به لأنه عبارة عن إيجاد مرتبة على النسخ وهو موجب ترتب المأتي به على النسخ وهو المدعى وأشار إلى الدور أيضا في غاية المأمول قال لا نسلم دلالة الآية على أن المأتي من القرآن أعني الخير أو المثل المترتب لزوم الدور ويخدشه ترتب الإتيان على إرادة النسخ أي إذا أردنا نسخ آية انتهى وفي العدة أجاب من نصر المذهب الأول عن هذا بأن قال إذا ثبت أنه لا بدّ أن يأتي بآية أخرى وكل من قال بذلك قال إنها يكون ناسخة وليس في الأمة من قال لا بد من أن يأتي بآية أخرى وإن لم يكن ناسخة لأن من جوّز نسخ القرآن بالسنة قال يجوز أن ينسخه بالسّنة وإن لم يأت بأنه أخرى وكل قول خالف الإجماع وجب اطراحه انتهى وفيه نظر وأما ثالثا فلأنه لو سلَّمنا دلالة الآية الشريفة على أن المأتي به الَّذي هو قرآن يكون هو الناسخ فغايتها الدّلالة على أن الذي ينسخ اللَّه يكون ناسخة قرآنا ولا دلالة فيها على عدم حصول نسخ القرآن بنسخ النبي بالسنة وإن كان أصل نسخه من اللَّه سبحانه فتأمل وأما رابعا فلاختصاص مورد الآية الشريفة بنسخ الآية ومن الظاهر أن المتبادر منه نسخ التلاوة دون نسخ الحكم الذي هو محلّ البحث ودعوى عدم القائل بالفرق بين الأمرين غير معلومة وقد أشار إلى ما ذكر أبو هاشم فيما حكي عنه فتأمل وأما خامسا فلأن غاية دلالة الآية الشريفة على المدعى بالظهور وهو لا يصلح لمعارضة السنة المتواترة المصرّحة بنسخ القرآن فتأمل والمعتمد عندي في المسألة هو القول الأول وينبغي التنبيه على أمور الأوّل اعلم أن القوم أطلقوا السنة المتواترة في تحرير محلّ النزاع ولم يقيدوها بالمتواترة لفظا فيندرج فيه المتواترة معنى وهذا فاسد قطعا لأنه يفيد القطع بالنسخ لكونها مقطوعا بها سندا ودلالة مع هذا فلا وجه للريب في جواز نسخ الكتاب به فإذن لا إشكال في لزوم تقييد الإطلاق المذكور بالسنة المتواترة لفظا ولعلهم عولوا في ذلك على القرينة العقلية فتأمل الثّاني أن مقتضى إطلاق كلام القوم عدم الفرق في الكتاب بين اتفاق القراء واختلافهم وهو المعتمد الثّالث هل وقع نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة لفظا أو لا صرّح بالأوّل في المعارج وحكاه في النهاية عن أكثر العلماء الرّابع هل يجوز نسخ السنة المتواترة لفظا بالكتاب كما يجوز العكس اختلفوا فيه على قولين الأول أنه لا يجوز وهو للذّريعة والعدّة والغنية والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والمعالم والزبدة وغاية المأمول والمختصر وشرحه وفي العدة وهو مذهب من عد الشافعي من باقي الفقهاء والمتكلمين وفي الذريعة قال به النّاس كلهم إلا الشافعي وفي النهاية ذهب إليه أكثر الناس من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية والشافعي في أحد قوليه وفي المنية وغاية المأمول هو قول الأكثر وفي المعالم لا نعرف فيه من الأصحاب مخالفا وجمهور أهل الخلاف وافقونا فيه وأنكره شذور وهو ضعيف جدّا لا يلتفت إليه وفي المختصر وشرحه هو مذهب الجمهور وفي الإحكام مذهب الجمهور من المعتزلة والفقهاء جوازه عقلا ووقوعه سمعا الثاني أنه لا يجوز وهو للمحكي في كثير من الكتب عن الشافعي وفي النهاية والإحكام منع الشافعي في أحد قوليه من جوازه عقلا ووقوعه سمعا وفي العدة الظاهر من مذهب الشافعي المنع وهو الذي صرّح به في رسالته وفي أصحابه من يضف إليه جواز ذلك والأول أظهر من قوليه لكنه رأى هذه المسألة يضعف إلى النظر حمل قولا آخر على حسب ما يفعله كثير منهم للقول الأول وجوه منها ما تمسك به في الذريعة والغنية فقالا كلّ شيء دللنا به على أن السنّة المقطوع بها ينسخ القرآن يدل على هذه المسألة بل هو هاهنا أكد وأوقع لأن للقرآن مزية على السنّة وقد أشار إلى الأولوية التي أشار إليهما في العدة وغاية المأمول أيضا ومنها ما تمسك به في المختصر وشرحه فقالا لنا لو امتنع لامتنع لغيره واللازم منتف أما الملازمة فلأنه بالنظر إلى نفسه ممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال وأما انتفاء اللازم فلأن الأصل عدم الغير ومنها ما تمسّك به في النهاية من أنهما دليلان من اللَّه قطعيان وكما جاز نسخ أحدهما بجنسه جاز بغيره لتساويهما ومنها ما تمسّك به في غاية المأمول فقال لنا أنها حجة يتمسّك بها للنسخ بها كالكتاب بالكتاب ومنها ما تمسّك به في النهاية أيضا فقال لو امتنع فإما من حيث القدرة والصحة أو من حيث الحكمة والقسمان باطلان أما الأول فبأن يقال إنه تعالى لا يوصف بالقدرة على كلام ناسخ لسنة نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم إذ لو أتي بكلام هذا سبب له لم يكن دالا على النسخ وهما باطلان لأنه تعالى قادر على جميع أقسام الكلام فلا يجوز خروج كلامه عن كونه دليلا على ما هو موضوع له وأما الثاني فبأن يقال لو نسخ اللَّه تعالى كلام نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ليقروا هم أنه لم يرض بسنته صلى الله عليه وآله وهو باطل لأن النسخ يرفع الحكم بعد استقرار مثله وذلك يمنع من هذا التوهم لأنه لو لم يرض بما سنه لم يقر عليه على أن ذلك لو يقر عنه ليقر عن نسخ سنة مثلها ومنها ما تمسّك به في الإحكام فقال إن الكتاب والسنّة وحي من اللَّه تعالى على ما قال تعالى وما ينطق عن الهوى إلى آخره غير أن الكتاب متلو والسنة غير متلوة ونسخ حكم أحد الواجبين بالآخر غير ممتنع عقلا ولهذا لو فرضنا خطاب الشارع بكون القرآن ناسخا للسنة لا يلزم منه محال عقلا ومنها ما تمسك به في غاية المأمول فقال لنا إنه حجة يتمسك بها فجاز في النسخ كالكتاب ومنها أنه لو لم يكن جائزا لما وقع والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهر وأما بطلان التالي فلوجوه أحدها ما تمسّك به في الذريعة والنهاية والتهذيب وحاشية المبادي والمنية وغاية المأمول والإحكام والمختصر وشرحه والمعراج من أن التوجه إلى بيت المقدس